فضل أيام عشر ذي الحجة والأعمال المستحبة فيها
الاثنين, 05 سبتمبر 2016 11:55

altالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين وبعد:فإن من فضل الله ومنته أن جعل لعباده الصالحين مواسم يستكثرون فيها من العمل الصالح، ومن هذه المواسم :

 

أيام عشر ذي الحجة

ورد في فضلها أدلة من الكتاب والسنة منها:

قال تعالى : (والفجر، وليال عشر). قال ابن كثير رحمه الله: المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وجابر وابن الزبير ومسروق وعكرمة ومجاهد وغيرهم (تفسير الطبري24/397 الرسالة )

وقال تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) عن ابن عباس: الأيام المعلومات: أيام العشر، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به  . ويروى مثله عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وإبراهيم النَّخعي. وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل. [تفسير ابن كثير5/415 دار طيبة].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء). (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب 3 /130 دار إحياء التراث العربي – بيروت)

 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد) [رواه أحمد في مسنده برقم 5446].

وكان سعيد بن جبير رحمه الله ـ وهو الذي روى حديث ابن عباس السابق ـ إذا دخلت العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه [رواه الدارمي 2 /104].

وقال ابن حجر في الفتح: والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره.

 

مما يستحب فعله في هذه الأيام

 

الصيام:

 

الصيام من أفضل الأعمال التي ندب إليها الإسلام وحض عليها ، فقد أخرج الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ  رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» .

وأفضل ما يكون صيام النوافل في الأيام الفاضلة المباركة ، وأعلاها فضلا وأكملها أجرا هذه الأيام العشر المباركة ، ومن ثَمَّ كان صيامُها من أفضل الأعمال ، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما  في فضل الأيام العشر أورده الأئمة تحت عنوان (باب فضل صيام العشر) وقال ابن حجر في فتح الباري: «اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ»

وأما الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ .

فقد قال النووي في شرح مسلم : «قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُوهِم كَرَاهَة صَوْم الْعَشَرَة ، وَالْمُرَاد بِالْعَشْرِ هُنَا : الْأَيَّام التِّسْعَة مِنْ أَوَّل ذِي الْحِجَّة ، قَالُوا : وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّل فَلَيْسَ فِي صَوْم هَذِهِ التِّسْعَة كَرَاهَة ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّة اِسْتِحْبَابًا شَدِيدًا لَا سِيَّمَا التَّاسِع مِنْهَا ، وَهُوَ يَوْم عَرَفَة ... فَيَتَأَوَّل قَوْلهَا : لَمْ يَصُمْ الْعَشْر ، أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَض أَوْ سَفَر أَوْ غَيْرهمَا ، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ، وَلَا يَلْزَم عَنْ ذَلِكَ عَدَم صِيَامه فِي نَفْس الْأَمْر، وَيَدُلّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث هُنَيْدَة بْن خَالِد عَنْ اِمْرَأَته عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ  صلى الله عليه وسلم  قَالَتْ : كَانَ رَسُول اللَّه  صلى الله عليه وسلم  يَصُوم تِسْع ذِي الْحِجَّة ، وَيَوْم عَاشُورَاء ، وَثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر : الِاثْنَيْنِ مِنْ الشَّهْر وَالْخَمِيس وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا لَفْظه وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَتهمَا (وَخَمِيسَيْنِ) . وَاَللَّه أَعْلَم» .

وزاد ابن حجر تأويلاً آخر لحديث عائشة ، وهو «احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ ، كَمَا رَوَاهُ الصَّحِيحَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا» .

ويؤيد فضيلة صيام هذه الأيام ما أخرجه الترمذي وابن ماجه بسند فيه ضعف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  رضي الله عنه  عَنْ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  قَالَ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» ,

قال ابن حجر: «وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي اِمْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اِجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ » .

 

صوم يوم عرفة :

يتأكد صوم يوم عرفة لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عن صوم يوم عرفة كما جاء عن أبي قتادة قال  : - قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده ) .سن الترمذي 3/124 سنن ابن ماجه 1/551

وقالت عائشة إن رسول الله صلى الله عليه و سلم : قال ( مامن يوم أكثر من أن يعتق الله عز و جل فيه عبدا من النار من يوم عرفة . وإنه ليدنو عز و جل ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء ؟ ) سنن ابن ماجه 2 / 1003. لكن من كان في عرفة ـ أي حاجاًـ فإنه ليكره له الصيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة مفطراً.

صيام كل العشر من ذي الحجة

َيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ غير العيد بِلَا نِزَاعٍ ، وَأَفْضَلُهُ : يَوْمُ التَّاسِعِ ، وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ .

راجع : شرح مختصر خليل للخرشي (6 / 488) ، روضة الطالبين وعمدة المفتين (1 / 280) ،روضة الطالبين وعمدة المفتين (1 / 280)،

شرح النووي على مسلم (8 / 71) ،الإنصاف (5 / 496) ،المحلى (7 / 19)

 

التكبير والتهليل والتحميد:

من العبادات العظيمة التي تختص بها هذه الأيام عبادة التكبير لله عز وجل، ورفع الصوت بذلك؛ قال الله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}[الحج: 28] .

والأيام المعلومة هي عشر ذي الحجة، كما ذهب إلى هذا جمهور أهل العلم(1).

وفي صحيح البخاري (كتاب العيدين/باب فضل العمل في أيام التشريق) : (وقال ابن عباس: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} في أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق. وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما)(2) ا.هـ.

وقال البخاري في كتاب العيدين أيضا: (باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة.

وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه وممشاه، تلك الأيام جميعا، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد.

حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا مالك بن أنس قال: حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي قال: سألت أنسا - ونحن غاديان من منى إلى عرفات - عن التلبية، كيف كنتم تصنعون مع النبي r؟ قال: كان يلبي الملبي لا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) .

وقال الإمام مسلم في «صحيحه» (1284): وحدثني محمد بن حاتم وهارون بن عبد الله ويعقوب الدورقي قالوا أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عمر بن حسين عن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كنا مع رسول الله r في غداة عرفة، فمنا المكبر، ومنا المهلل، فأما نحن فنكبر، قال: قلت: والله لعجبا منكم كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول الله r يصنع؟!

وعبادة تكبير الله عز وجل، من أعظم العبادات، وقد أمر الله عز وجل بها نبيه r، وهو أمر لأمته من بعده، قال تعالى في خاتمة سورة الإسراء: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا}.

ومعنى (وكبره تكبيرا) أي: عظمه عظمة تامة، ويقال: أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال: الله أكبر؛ أي: صفه بأنه أكبر من كل شيء. قال الشاعر:

رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنودا

وقال عمر بن الخطاب: قول العبد: الله أكبر خير من الدنيا وما فيها.

ويحكى عن بعض السلف أن هذه الآية هي خاتمة «التوراة».

ومن عظمة هذا الذكر أن الصلاة تفتتح به، وأن النداء إليها يفتتح بها ويختتم بها، كما أن الصلاة في نهيتها يكون الاستغفار والتهليل والتسيبح والتحميد والتكبير.

وفي «الصحيحين» ( البخاري/806، مسلم/583) من حديث ابن عباس أنه قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله r بالتكبير.

والطواف بالبيت يفتتح بالتكبير، ورمي الجمار السنة فيه التكبير مع كل جمرة، وعند الصفا وكذلك المروة يفتتح الدعاء بالتكبير ثلاثا، وعند الذبح تقول: بسم الله، والله أكبر.

وقد جاء في «صحيح مسلم» (2173) من حديث هلال بن يساف عن الربيع بن عميلة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله r: «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت».

ولو فقه المسلمون معنى هذه العبادة وعملوا بمقتضاها لاستقامة أحوالهم دينا ودنيا، وأولى وأخرى، وذلك عندما يعلم المسلم حقيقة أن الله أكبر من كل شيء، فإنه سوف يلتزم بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويعبده حق عبادته، ويتوكل عليه، ولا يخشى فيه لومة لائم.

فيشرع التكبير من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق وهو الثالث عشر من شهر ذي الحجة، قال تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) وصفته أن تقول: (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد)

ويسن جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت وأدبار الصلوات، إعلاناً بتعظيم الله وإظهاراً لعبادته وشكره.

مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ إحْيَاءُ لَيَالِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ

وهذا قول الحنفية :

كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَذَكَرَهَا فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مُفَصَّلَةً وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ اللَّيْلِ قِيَامُهُ وَظَاهِرُهُ الِاسْتِيعَابُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ غَالِبُهُ .

وقال ابن رجب الحنبلي : و أما قيام ليالي العشر فمستحب و قد سبق الحديث في ذلك و قد ورد في خصوص إحياء ليلتي العيدين أحاديث لا تصح و ورد إجابة الدعاء فيهما و استحبه الشافعي و غيره من العلماء و كان سعيد بن جبير و هو الذي روى هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما إذا دخل العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه و روي عنه أنه قال : لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر تعجبه العبادة .لطائف المعارف - (ج 1 / ص 289) ،وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (4 / 326) : مسألة : الاعتكاف في العشر من ذي الحجة. فيه قولين للفقهاء :

القول الأول : لا اعتكاف في العشر من ذي الحجة ،وهذا قول المالكية :

ثُمَّ يَذْهَبُ مِنْ الْمُصَلَّى لِأَهْلِهِ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ قَصْرُ النَّدْبِ عَلَى عِيدِ الْفِطْرِ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ يَعْتَكِفْ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ . منح الجليل شرح مختصر خليل (4 / 130)

 

والقول الثاني : يجوز الاعتكاف في العشر من ذي الحجة وهذا قول الحنابلة :

وَيُسَنُّ لُبْسُ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ إلَّا الْمُعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَوْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ فيذهب مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَى الْمُصَلَّى فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ : إلَّا الْإِمَامَ ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مُعْتَكِفٌ كَغَيْرِهِ فِي زِينَةٍ وَطِيبٍ وَنَحْوِهِمَا : ثِيَابٌ جَيِّدَةٌ وَرَثَّةٌ الْكُلُّ سَوَاءٌ ..راجع : الفروع لابن مفلح (3 / 123)، المبدع شرح المقنع (2 / 397)

 

فضل يوم النحر:

 

يغفل عن ذلك اليوم العظيم كثير من المسلمين، وعن جلالة شأنه وعظم فضله الجم الغفير من المؤمنين، هذا مع أن بعض العلماء يرى أن أفضل أيام السنة على الإطلاق حتى من يوم عرفة. جاء في سنن أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر). ويوم القر هو يوم الاستقرار في منى، وهو اليوم الحادي عشر. وقيل: يوم عرفة أفضل منه؛ لأن صيامه يكفر سنتين، وما من يوم يعتق الله فيه الرقاب أكثر منه في يومعرفة، ولأنه سبحانه وتعالى يدنو فيه من عبادة، ثم يباهي ملائكته بأهل الموقف، والصواب القول الأول؛ لأن الحديث الدال على ذلك لا يعارضه شيء.

وسواء كان هو أفضل أم يوم عرفة فليحرص المسلم حاجاً كان أم مقيماً على إدراك فضله وانتهاز فرصته.

بماذا تستقبل مواسم الخير؟

حري بالمسلم أن يستقبل مواسم الخير عامة بالتوبة الصادقة النصوح، وبالإقلاع عن الذنوب والمعاصي، فإن الذنوب هي التي تحرم الإنسان فضل ربه، وتحجب قلبه عن مولاه.

كذلك تستقبل مواسم الخير عامة بالعزم الصادق الجاد على اغتنامها بما يرضي الله عز وجل، فمن صدق الله صدقة الله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) [العنكبوت:69].

فيا أخي المسلم احرص على اغتنام هذه الفرصة السانحة قبل أن تفوتك فتندم، ولات ساعة مندم.

وإذا أحب اللّه عزّ وجلّ عبداً استعمله في الأوقات الفاضلة بأفضل الأعمال ليثيبه أفضل الثواب وإذا مقت عبداً استعمله بأسوأ الأعمال في أفاضل الأوقات ليضاعف له السيّئات بانتقاص حرمات الشعائر وانتهاك المحرمات في الحرمات ، ويقال من علامات التوفيق ثلاث : دخول أعمال البرّ عليك من غير قصد لها ، وصرف المعاصي عنك مع الطلب لها ، وفتح باب اللجا والافتقار إلى اللّه عزّ وجلّ في الشدة والرخاء ، ومن علامات الخذلان ثلاث : تعسر الخيرات عليك مع الطلب لها ، وتيسر المعاصي لك مع الرهب منها وغلق باب اللجا والافتقار إلى الله عزّ وجلّ ، في كل حال فنسأل اللّه تعالى بفضله حسن التوفيق والاختيار ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار .

 

ذبح الأضحية :

الأضحية من شعائر الإسلام العظيمة، ومن أعظم القربات والطاعات ، وهي شعار على إخلاص العبادة لله وحده ، وامتثال أوامره ونواهيه ، ومن هنا جاءت مشروعية الأضحية في الإسلام ، وقد تكلم أهل العلم في أحكامها التي يمكن إجمالها فيما يلي :

مشروعيتها

الأضحية هي ما يذبح من بهيمة الأنعام في يوم النحر وأيام التشريق تقرباً إلى الله تعالى ، وهي عبادة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع .

فأما الكتاب فقوله تعالى: {فصل لربك وانحر } ( الكوثر 2) ، وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام : ( من ذبح بعد الصلاة تم نسكه ، وأصاب سنة المسلمين ) رواه البخاري ، وثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - ( ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين ، ذبحهما بيده ، وسمَّى وكبَّر ، ووضع رجله على صفاحهما ) متفق عليه . وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية ، وكونها من شعائر الدين .

حكمها

الذي عليه جمهور أهل العلم أن الأضحية سُنَّة مؤكدة في حق القادرين ، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة : ( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا ) رواه مسلم ، فقد فوَّض- صلى الله عليه وسلم - الأضحية إلى إرادة المكلف ، ولو كانت الأضحية واجبة لم يكل ذلك إلى الإرادة .

ثم إنه ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - ضحى عمن لم يضح من أمته كما في سنن الترمذي وغيره ، فأسقط بذلك الوجوب عنهم .

وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها مستدلين بحديث ( على أهل كل بيت أضحية ) ، وحديث ( من وجد سعة ولم يضحِّ فلا يقربن مصلانا ) رواهما أحمد في مسنده .

ولذلك فإن الاحتياط للمسلم أن لا يترك الأضحية مع القدرة عليها ، لما فيها من تعظيم الله وذكره ، ولما في ذلك من براءة الذمة .

 

شروط الأضحية

 

وللأضحية شروط لا بد من توفرها حتى تكون مجزئة مقبولة :

 

الشرط الأول : أن تكون من بهيمة الأنعام وهي الإبل ، والبقر ، والغنم ، ضأنها ومعزها لقول الله تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ( الحج 34) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن تعسُر عليكم ، فتذبحوا جذعة من الضأن ) رواه مسلم ، والمسنة هي : الثنية من الإبل والبقر والغنم ، ولم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه ضحى بغير هذه الأجناس ، ولا أمر أصحابه بأن يضحوا بغيرها ، فوجب اتباعه فيها .

 

الشرط الثاني : أن تبلغ السن المعتبر شرعاً ، بأن تكون ثنياً إذا كانت من الإبل أو البقر أو المعز ، وجذعاً إذا كانت من الضأن ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم : ( لا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن تعسُر عليكم ، فتذبحوا جذعة من الضأن ) رواه مسلم .

 

والثني من الإبل ما تم له خمس سنين ، والثني من البقر ما تم له سنتان ، و الثني من الغنم ما تم له سنة ، والجذع من الضأن ما تم له نصف سنة ، وأفضل الأضحية الإبل ، ثم البقر ، ثم الضأن ، وتُجزئ الإبل والبقر عن سبعة أفراد ، ولا يُجزئ الضأن إلا عن واحد فحسب ، والانفراد بذبيحة أفضل من الاشتراك مع غيره فيها .

 

الشرط الثالث : أن تكون خالية من العيوب التي تمنع من الإجزاء ، وهي الواردة في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه مرفوعاً : ( أربع لا تجوز في الأضاحي ) - وفي رواية ( لا تجزئ )- ( العوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعرجاء البين ضلعها ، والكسيرة التي لا تُنقي )، وجاء في رواية ذكر ( العجفاء ) بدل ( الكسيرة ) رواه أصحاب السنن بسند صحيح .

 

وهناك عيوب مكروهة ولكنها لا تمنع من الإجزاء يفَضَّل أن تخلو الأضحية منها ، كأن تكون مقطوعة القرن ، أو الأذن ، أو الذنب ونحو ذلك .

 

والأفضل في الأضحية ما توافرت فيها صفات التمام والكمال كالسمن ، وكثرة اللحم ، وجمال المنظر ، وغلاء الثمن لقوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب }( الحج 32 ) قال ابن عباس رضي الله عنه : " تعظيمها: استسمانها، واستعظامها ، واستحسانها " .

 

الشرط الرابع : أن يكون الذبح في الوقت المعتد به شرعاً ، ويبتدئ من بعد صلاة العيد إن كان المضحي في موضع تُقام فيه الصلاة ، وأما من لا يستطيع الصلاة لسفر ونحوه ، فوقتها قدر ما يكفي للصلاة، فمن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ، كما في حديث البراء رضي الله عنه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا ، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ، ليس من النسك في شيء ... ) رواه البخاري ، وفي رواية ( من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نُسُكَه وأصاب سنة المسلمين ).

 

ويمتد وقت الذبح على الصحيح حتى غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق ، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ، فتكون مدة الذبح أربعة أيام ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - ( كل أيام التشريق ذبح )رواه أحمد.

 

ذبح الأضحية

 

الأولى للمضحي أن يذبح أضحيته بنفسه إن كان يحسن الذبح ، لأن الذبح قربة وعبادة ، وله أن ينيب عنه غيره ، فقد نحر - صلى الله عليه وسلم- بيده ثلاثاً وستين بَدَنة ، واستناب علياً في نحر ما تبقى .

 

وينبغي أن يراعي آداب الذبح كالإحسان إلى الذبيحة وإراحتها ، وأن يستقبل القبلة ، وإن كانت الأضحية من الإبل فإنها تنحر قائمة معقولة يدها اليسرى ، وهو معنى قوله تعالى : { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ، وإن كانت من غير الإبل فإنها تذبح مضجعة على جنبها الأيسر .

 

ويستحب وضع الرجل على صفحة عنقها ، ويقول : بسم الله الله أكبر ، ويسأل الله القبول .

 

وتجزئ الأضحية الواحدة عن الرجل وأهل بيته وإن كثروا ، لحديث أبي أيوب رضي الله عنه قال : ( كان الرجل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ) رواه الترمذي .

 

ويستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته ، ويهدي ، ويتصدق ، والأمر في ذلك واسع من حيث المقدار ، لكن المختار عند أهل العلم أن يأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويتصدق بثلث.

 

ويحرم بيع شيء من الأضحية من لحم أو جلد أو صوف أو غيره لأنها مال أخرجه العبد لله تعالى ، فلا يجوز الرجوع فيه كالصدقة .

 

ولا يعطى الجزار شيئاً منها في مقابل أجرته ، لحديث عليٍّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره ألاَّ يعطي في جزارتها شيئاً كما عند البخاري ، ولأن ذلك بمعنى البيع ، وأما إن أعطاه شيئاً على سبيل الصدقة أو الهدية بعد أن يعطيه أجرته فلا حرج في ذلك .

 

والسنة لمن أراد أن يضحي - إذا دخلت عشر ذي الحجة - أن لا يأخذ من شعره ولا من بشرته ، ولا من أظفاره شيئاً ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين : ( إذا رأيتم هلال ذي الحجة ، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) ، وفي رواية : ( فلا يمس من شعره وبشره شيئاً ) ، وفي رواية : ( حتى يضحي ).

 

وعلى المضحي أن يستحضر نية التقرب إلى الله بفعله ، فيخرجها طيبةً بها نفسُه ، وأن يتتبع في هديته وصدقته أقرب الناس إليه ، وأحوجهم إلى الصدقة .

ويكون ذلك بعد صلاة العيد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح) [رواه البخاري ومسلم]. ووقت الذبح أربعة أيام، يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل أيام التشريق ذبح)

 

أخيراً :

 

يقول الإمام عبد الوهاب الشعراني رحمه الله :

 

( أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه و سلم ) أن نستعد للعبادة في عشر ذي الحجة بإزالة الموانع التي تمنع العبد من شعوره بأوقات تقربات الحق تعالى لتؤدي الأعمال الصالحة فيها على ضرب من رائحة الكمال كما مر في ليالي القدر فإن من غلظ حجابه لا يشعر بأوقات المواهب ولا يحس بها . وقد جعل الله تعالى تمام الأعمال بحضور العبد فيها مع الله تعالى وجعل نفعها بحسب ما غاب العبد عن شهوده لربه فيها

وسمعت سيدي علياً رحمه الله يقول : كل من مرت عليه ليالي التقريب ولم ينقطع صوته من شدة البكاء والنحيب فكأنه نائم فوالله لقد فاز أهل الله تعالى بمجاهدتهم لنفوسهم حتى لم يبق لهم مانع يمنعهم من دخول حضرة الله تعالى في ليل أو نهار و والله لو سجدوا على الجمر ما أدوا شكر الحق تعالى على إذنه لهم في الدخول إلى حضرته لحظة واحدة في عمرهم و والله لو وقف المريدون على الجمر بين يدي أشياخهم من خلق الله الدنيا إلى انقضائها لم يقوموا بواجب حق معلمهم في إرشادهم إلى إزالة جميع تلك الموانع التي تمنعهم من دخول حضرة الله عز و جل . وإذا كان العبد يحب من أعطاه العزيمة والبخور حتى فتح المطلب ولا يكاد يبغضه مع كون ذلك مكروها لله عز و جل فكيف بمن يعطيه الاستعداد الذي يدخل به حضرة الله عز و جل حتى يصير معدودا من أهلها بل من ملوك الحضرة والله إن أكثر الناس اليوم في غمرة ساهون نسأل الله اللطف بنا وبهم